الخطيب الشربيني

54

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ولما كان التقدير فأطاعوا أمره ونفروا على كل صعب وذلول ، عطف عليه قوله تعالى بما آل إليه أمرهم . فَأَخْرَجْناهُمْ أي : فرعون وجنوده بما لنا من القدرة من مصر ليلحقوا بموسى وقومه إخراجا حثيثا مما لا يسمح أحد بالخروج منه مِنْ جَنَّاتٍ أي : بساتين كانت على جانبي النيل يحق لها أن تذكر وَعُيُونٍ أي : أنهار جارية في الدور من النيل ، وقيل : عيون تخرج من الأرض لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر . وَكُنُوزٍ أي : أموال ظاهرة من الذهب والفضة وسميت كنوز لأنها لم يعط حق الله منها وما لم يعط حق الله تعالى منه فهو كنز وإن كان ظاهرا ، قيل : كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام كل غلام على فرس عتيق في عنق كل فرس طوق من ذهب وَمَقامٍ من المنازل كَرِيمٍ أي : مجلس حسن للأمراء والوزراء يحفه اتباعهم ، وعن الضحاك : المنابر وقيل : السرر في الحجال ، وذكر بعضهم أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من الديباج مخوصة بالذهب . كَذلِكَ أي : إخراجنا كما وصفنا وَأَوْرَثْناها أي : تلك النعم السنية بمجرّد خروجهم بالقوّة وبعد إغراق فرعون وجنوده بالفعل بَنِي إِسْرائِيلَ أي : جعلناهم بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعا يمنعهم منها بعد أن كانوا مستعبدين بين أيدي أربابها ، واستشكل إرثهم لها بالفعل لقوله تعالى في الدخان قَوْماً آخَرِينَ [ الدخان ، 28 ] وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في ذلك المحل . بل قيل : إنّ بني إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ذلك . ولما وصف تعالى الإخراج وصف أثره بقوله تعالى : مرتبا عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوّة : فَأَتْبَعُوهُمْ أي : جعلوا أنفسهم تابعة لهم مُشْرِقِينَ أي : داخلين في وقت شروق الشمس بطلوعها صبيحة الليلة التي سار فيها بنو إسرائيل ، ولولا تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن ذلك على حكم العادة في أقل من عشرة أيام فإنه تعجز الملوك عن مثله ، واستمرّوا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم . فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي : رأى كل منهما الآخر قالَ أَصْحابُ مُوسى ضعفا وعجزا استصحابا لما كانوا فيه عندهم من الذل ، ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث يقال إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل وذلك محقق لتقليل فرعون لهم ، وكأنه عبر عنهم بأصحاب دون بني إسرائيل ؛ لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم إِنَّا لَمُدْرَكُونَ أي : يدركنا فرعون وقومه وقد صرنا بين سدّين العدّو وراءنا والبحر أمامنا ولا طاقة لنا بذلك . قالَ أي : موسى عليه السّلام وثوقا بوعد الله تعالى كَلَّا أي : لا يدركونكم أصلا ، ثم علل ذلك تسكينا لهم بقوله إِنَّ مَعِي رَبِّي أي : بنصره فكأنهم قالوا وما عساه يفعل وقد وصلونا قال سَيَهْدِينِ أي : يدلني على طريق النجاة ، روي : أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى عليه السّلام فقال أين تذهب فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون قال : أمرت بالبحر ولعلي أؤمر بما أصنع . فَأَوْحَيْنا أي : فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا ونوّه باسم الكليم جزاء له على ثقته به سبحانه وتعالى ، فقال تعالى : إِلى مُوسى وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله تعالى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ أي : الذي أمامكم وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه